بقلم : الناشطة فاطمة ابو دلو
وكالة الصياد الاخباري - عمان - في الدفاع عن الخرافة حين يجفّ الواقع .
لسنا سذّجًا حين نلجأ إلى الخرافة، ولا هاربين من الحقيقة كما يُحبّ العقل الجاف أن يتّهمنا.
نحن فقط مُنهكون…
والواقع، حين يشتدّ صلابته، يحتاج إلى شيءٍ يكسِره، لا إلى مزيدٍ من التصديق الأعمى.
حين يصبح العالم آلةً باردة، تحسب كل شيء بالأرقام، وتقيس الألم بالإحصاءات، وتطالبك أن تكون “واقعيًا” حتى في وجعك، تتحوّل الخرافة إلى مساحة تنفّس، إلى نافذة صغيرة نفتحها كي لا نختنق.
نحتاج أن نؤمن بالأقزام الذين يساعدون الفقراء، لا لأنهم موجودون فعلًا، بل لأن الواقع تخلّى عن هذه المهمة منذ زمن.
نحتاجهم لأن العدالة صارت بعيدة، ولأن الفقير بات وحيدًا في مواجهة نظامٍ لا يرى فيه سوى رقمٍ زائد عن الحاجة.
نؤمن بالبساط الطائر، لا حبًّا في الطيران، بل كرهًا لهذا الثقل الذي يُكبّل أرواحنا بالأرض.
نحتاجه لأن الطرق كلها مغلقة، ولأن الهروب أحيانًا ليس جبنًا، بل محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقّى من الذات.
أما نجمة الأماني، فليست حكاية أطفال، بل آخر خيط نور نتمسّك به حين تنطفئ كل المصابيح.
هي إيمانٌ هشّ، نعم، لكن ماذا يفعل الإنسان حين تُسحَب منه كل اليقينات الصلبة؟
يخلق يقينًا صغيرًا، ولو من الضوء.
الواقع، كما يُقدَّم لنا اليوم، حقيقي أكثر مما ينبغي، قاسٍ أكثر مما يحتمله قلبٌ بشري.
واقع لا يترك مساحة للدهشة، ولا يعترف بالضعف، ولا يسمح للروح أن تتعثّر دون أن تُدان.
لهذا، تصبح الخرافة فعل مقاومة.
ليست إنكارًا للحقيقة، بل رفضًا لشكلها المتوحّش.
هي محاولة لإعادة المعنى إلى عالمٍ فقد إنسانيته، وتذكيرٌ بأن الإنسان لم يُخلَق ليعيش داخل معادلة.
لسنا مطالبين أن نكون عقلانيين طوال الوقت، ولا أن نتحمّل كل هذا الصدق الفجّ دون حماية.
أحيانًا، نحتاج أن نكذب كذبةً جميلة على أنفسنا، كي نستطيع مواصلة العيش بقدرٍ أقل من الانكسار.
فحين يجفّ الواقع، يصبح الخيال ماءً.
وحين تقسو الحقيقة،تتحوّل الخرافة إلى حقٍ إنسانيّ مشروع.
نحن لا نطلب عالمًا غير موجود، نحن فقط نبحث عن عالمٍ أقل قسوة…
أو على الأقل، عن زاوية دافئة نحتمي بها من هذا الواقع الذي بات حقيقيًا أكثر مما ينبغي.
فاطمة

